ابن كثير
121
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
والعودة والكرة . قال السدي : لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة ، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها . فجعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو الناس « إليّ عباد اللّه ، إليّ عباد اللّه » فذكر اللّه صعودهم إلى الجبل ، ثم ذكر دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إياهم ، فقال إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد . وقال عبد اللّه بن الزبعرى : يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها : [ الرمل ] يا « 1 » غراب البين أسمعت فقل * إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير وللشرّ مدى * وكلا ذلك وجه وقبل « 2 » إلى أن قال : ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل « 3 » حين حكّت بقباء بركها * واستحرّ القتل في عبد الأشل « 4 » ثم خفّوا عند ذاكم رقّصا * رقص الحفّان يعلو في الجبل « 5 » فقتلنا الضّعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل الحفان : صغار النعم . وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أفرد في اثني عشر رجلا من أصحابه كما قال الإمام أحمد « 6 » : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه ، قال : جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد اللّه بن جبير قال : ووضعهم موضعا ، وقال « إن رأيتمونا تخطفنا الطير ، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم » ، قال فهزموهم قال : فأنا واللّه رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن ، فقال أصحاب عبد اللّه الغنيمة : أي قوم الغنيمة ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ قال عبد اللّه بن جبير : أنسيتم ما قاله لكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقالوا : إنا واللّه لنأتين الناس ، فلنصيبن من الغنيمة . فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين ، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم ، فلم يبق مع رسول اللّه إلا اثنا عشر رجلا ، فأصابوا منا سبعين ،
--> ( 1 ) رواها ابن هشام في السيرة ( 2 / 136 ) في 16 بيتا . ثم روى بعدها 16 بيتا لحسان بن ثابت ردا على أبيات ابن الزبعري . ( 2 ) القبل ( بفتحتين ) : المواجهة والمقابلة . يريد أن كل ذلك ملاقيه الإنسان في مستقبل أيامه . ( 3 ) الأسل : الرماح . ( 4 ) البرك : الصدر . استحرّ القتل : اشتد . عبد الأشل : أي بنو عبد الأشهل ، فحذف الهاء . ( 5 ) الرقص ( بالتحريك ) : مشي سريع . ( 6 ) مسند أحمد 4 / 293 )